الشيخ محمد رشيد رضا
634
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
اللف والنشر ، أي لتسكنوا في الليل وتطلبوا الرزق من فضل اللّه في النهار ، وليعدكم لشكر نعمه عليكم بهما ، وبمنافعكم في كل منهما . ومن الآيات المصرحة بذكرهما ما قرن بالتذكير بفائدتهما الدنيوية فقط كقوله تعالى ( 78 : 10 وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِباساً ، وَجَعَلْنَا النَّهارَ مَعاشاً ) ومنها ما قرن بالتذكير بفائدتهما لدينية فقط كقوله تعالى ( 25 : 62 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُوراً ) فياللّه من ايجاز القرآن وبلاغته ، في اختلاف عبارته ! ! قرأ عاصم والكسائي « وَجَعَلَ اللَّيْلَ » بالفعل الماضي ، وقرأه الجمهور بصيغة اسم الفاعل « وجاعل » ورسمهما في المصحف الامام واحد ، والأولى تقوي جانب الاعراب فان الشمس والقمر المعطوفين على الليل منصوبان باجماع القراء ، ولا يظهر نصبهما على القراءة الثانية الا بتقدير جعل ، أو جعل « جاعل » بمعناه ، وهو تكلف يجتنب في الفصيح . والثانية تناسب السياق والنسق بعطف الاسم على الاسم وهو الأصل الذي لا يخرج عنه في الفصيح الا لنكتة . فبالجمع بين القراءتين زان التكلف وتم التناسب ، فياللّه من فصاحة القرآن في عبارته ، واختلاف قراءته ! ! والسكن بالتحريك السكون وما يسكن فيه من مكان كالبيت وزمان كالليل ، وكذا ما يسكن اليه ، وهو ما اختاره الكشاف هنا قال : السكن ما يسكن اليه الرجل ( أي وغيره ) ويطمئن استئناسا به واسترواحا اليه من زوج أو حبيب ، ومنه قيل للنار سكن لأنه يستأنس بها ، ألا تراهم سموها المؤنسة ، والليل يطمئن اليه التعب بالنهار لاستراحته فيه وجمامه . ويجوز أن يراد وجعل الليل مسكونا فيه من قوله ( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) * اه وهذا الأخير المرجوح عنده هو الراجح المختار عندنا الا أنه يجوز الجمع بينهما ، ودليل الترجيح نص ( لِتَسْكُنُوا فِيهِ ) * وكون السكون فيه ، أعم وأظهر من السكون اليه ، فان كثيرا من الناس يستوحشون من الليل ولا يأنسون به ، وان كان له على آخرين أياد جلية أو خفية ، تنقض مذهب المانوية ، فيستطيله المرضى والمهمومون والمهجورون ، ويستقصره العابدون الواصلون ، والعاشقون الموصولون ، فذاك يقول ما أطوله ويطلب انجلاءه ، وهذا يقول ما أقصره ويتمنى بقاءه : يود أن سواد الليل دام له * وزيد فيه سواد القلب والبصر